فصل: تفسير الآية رقم (152):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (150):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [150].
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وقوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أي: لئلا يحتج عليكم أحد في التولي إلى غيره، ولتنتفي مجادلتهم لكم، كقول اليهود مثلاً: يجحد دينناً ويتبع قبلتنا! وقول غيرهم: يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته! فإذا صليتم إليه لا تكون لهم عليكم حجة.
قال الراغب: وأشار بقوله: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} إلى تحقيق ما قدمه، فبيّن أنه إذا كانت الحكمة تقتضي أن يكون لكل صاحب شرع قبلة يختص بها، وأنت صاحب شرع، فتغيير القبلة لك حق من ربك. ثم قال: إن قيل: لِمَ كرّر قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}؟ قيل: حثّ بإحداهما على التوجه نحو القبلة بالقلب والبدن في أي: مكان حصل للإنسان، نائياً كان عنها أو دانياً منها. وذلك مآل الاختيار والتمكن، وحث بالآخر على التمكن بالقلب وحده عند اشتباه القبلة، وفي النافلة في حال اليسر على الراحلة والسفر {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} فإنهم يظهرون فجوراً ولَدَداً في ذلك، بالعناد. وهم: إما اليهود المعبر عنهم بأهل الكتاب قبلُ، أو المنافقون أو المشركون كما حكى قبلُ في السفهاء، وكان من قول اليهود، فيما حكاه قتادة: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. ومن قول المشركين، فيما حكاه مجاهد: قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم وتقدم قول المنافقين. وبالجملة فالكل عابوا وخاضوا: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} تخافوا جدالهم: {وَاخْشَوْنِي} فلا تخالفوا أمري: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} بالتوجه إلى أكمل الجهات المتضمنة للآيات البينات والأمن: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} للصراط المستقيم بالتوجه إليها، فتهتدون بهذه القبلة هداية كاملة.
قال الحراليّ: وفي طيه بشرى بفتح مكة، واستيلائه على جزيلة العرب كلها، وتمكينه بذلك من سائر أهل الأرض، لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها، التي انتهى إليها ملك أمته.

.تفسير الآية رقم (151):

القول في تأويل قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [151].
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ} وقوله تعالى: {فِيْكُمْ} المراد به العرب. وكذلك قوله: {مِنْكُمْ} وفي إرساله فيهم ومنهم نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير، فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القول أقرب: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم؛ لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم، ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة: {وَيُزَكِّيكُمْ} أي: يطهركم من الشرك وأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} وهو القرآن. وهذا ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم: {وَالْحِكْمَةَ} وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة هي سنة الرسول. وقوله: {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيّرين ضالين في أمر أديانهم، فبعث الله تعالى النبي بالحق، حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علماً وأبرهم قلوباً وأقلهم تكلفاً وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عِمْرَان: 164] الآية، وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28]، قال ابن عباس يعني: بنعمة الله، محمداً صلى الله عليه وسلم، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. وقال:

.تفسير الآية رقم (152):

القول في تأويل قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [152].
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} قال ابن جرير: أي: اذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم، وقد كان بعضهم يتأول ذلك أنه من الذكر بالثناء والمدح. وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة، أذكركم بالمزيد والتوالي، وهي بمعنى ما قبله، وقوله: {وَاشْكُرُواْ لِي} قال ابن جرير: أي: اشكروا لي فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته. وقوله: {وَلاَ تَكْفُرُونِ} أي: لا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم.
قال السمرقنديّ: أي: اشكروا نعمتي: أن أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ولا تجحدوا هذه النعمة، ويقال: النعمة، في الحقيقة هي العلم، وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة، وليس بنعمة، والعلم لا يمل منه صاحبه، بل يطلب منه الزيادة، فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة، وهي نعمة بعثة رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة. كما قصه الحراليّ. ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم، جعل تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضاً من أشعارهم، وهزّ عزائمهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إليّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إليّ ذراعاً اقتربت إليه باعاً، فإن أتاني يمشي أتيته هرولة» صحيح الإسناد أخرجه البخاري أيضاً.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده».
والآثار في فضل الذكر متوافرة ويكفي فيه هذه الآية الكريمة.
تنبيه:
قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما، بل كل عامل لله تعالى بطاعة، فهو ذاكر لله تعالى.
كذا قاله سعيد بن جبير رضي الله عنه، وغيره من العلماء. وقال عطاء رحمه الله: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع؟، وتصلي وتصوم؟، وتنكح وتطلّق؟، وأشباه هذا. وقال النووي أيضاً: إن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع، لا عارض، وقد صنف، في عمل اليوم والليلة، جماعة من الأئمة كتباً نفيسة. ومن أجمعها للمتأخرين كتاب الأذكار للنوويّ، وممن جمع زبدة ما روى فيها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد، وقال في طليعة ذلك: كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكراً لله عز وجل، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكراً منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكراً منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه ذكراً منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكراً منه له، وسكونه وصمته ذكراً منه له بقلبه، فكان ذكر الله في كل أحيانه وعلى جميع أحواله، وكان ذكره الله يجري مع أنفاسه قائماً وقاعداً، وعلى جنبه، وفي مشية وركوبه ومسيره، ونزوله وطعنه وإقامته. انتهى.
وأما الأذكار المحدثة والسماعات المبتدعة، سماع الكف والدف، فلم يكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر الأكابر من أئمة الدين، يجعلون هذا طريقاً إلى الله تبارك وتعالى، ولا يعدّونه من القرب والطاعات بل يعدونه من البدع المذمومة، حتى قال الشافعي: خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه: التغبير، يصدّون به الناس عن القرآن. وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيباً وافراً، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم، ومن كان أبعد عن المعرفة وعن كمال ولاية الله، كان نصيب الشيطان فيه أكثر فسماع الغناء والملاهي من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية، وهو سماع المشركين، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35]، قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وغيرهما من السلف: التصدية، التصفيق باليد. والمكاء مثل الصفير. فكان المشركون يتخذون هذا عُبَاْدَة.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر نحو ذلك، والاجتماعات الشرعية ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط، لا بكف ولا بدف ولا تواجد وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذا اجتمعوا، أمروا واحداً منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون وكان عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى الأشعري: ذكرنا ربنا. فيقرأ وهم يستمعون. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له: «مررت بك البارحة، وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك». فقال: لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً. أي: لحسنته لك تحسيناً. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وقال صلى الله عليه وسلم: «لله أشد أذَناً- أي: استماعاً- إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به، من صاحب القينة إلى قينته». وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليّ»، قلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم». فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء: 41]، قال: «حسبك الآن». فالتفت فإذا عيناه تذرفان.
ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]. وقال تعالى في أهل المعرفة: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين فقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [الأنفال: 2]، فخلاف هذا السماع، من الباطل الذي نهى عنه، ولذلك لم يفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أكابر المشايخ، فليُفقْ من كان من الفريق الأدنى في سلوك فقره، وليصحب من هو من الرفيق الأعلى إلى حلول قبره، وليُدَاوِ جراحات اجتراح بدعته، باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولزوم سنته. واعلم أن ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته، فيتولد منه الهيبة والإجلال، وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن، وتارة لنعمته فيتولد منه الشكر، ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها، وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبر، فحق المؤمن أن لا ينفك أبداً عن ذكره تعالى على أحد هذه الأوجه. وقوله تعالى: {واشكروا لي ولا تكفرون} فيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها، فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب. وقد وعد تعالى على شكره بمزيد الخير فقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] قال ابن عطية: اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد. ولي أفصح وأشهر مع الشكر.

.تفسير الآية رقم (153):

القول في تأويل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [153].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} أرشد تعالى المؤمنين، إثر الأمر بالشكر في الآية قبل، بالاستعانة بالصبر والصلاة؛ لأن العبد إما أن يكون في نعمة فيكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها. كما جاء في الحديث: «عجباً للمؤمن لا يقضى له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خير له». وبيّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل المصائب في سبيل الله، الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلى». ثم إن الصبر صبران: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات. والثاني أكثر ثواباً؛ لأن المقصود وأما الصبر الثالث، وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضاً واجب. كالاستغفار من المعائب.
وقال الإمام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية وأعظم عون لوليّ الأمر خاصة، ولغيره عامة ثلاثة أمور: أحدها الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره. وأصل ذلك المحافظة على الصلاة بالقلب والبدن. والثاني الإحسان إلى الخلق بالنفع والمال الذي هو الزكاة. والثالث الصبر على الأذى من الخلق وغيره من النوائب، ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيراً كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45]، وكقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 114- 115]، وقوله: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130]، وأما قِرانُهُ بين الصلاة والزكاة في القرآن فكثير جدًّا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية، إذا عرف الْإِنْسَاْن ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة، يدخل في الصلاة من ذكر الله تعالى ودعائه وتلاوة كتابه وإخلاص الدين له والتوكل عليه، وفي الزكاة الإحسان إلى الخلق بالمال والنفع: من نصر المظلوم وإعانة الملهوف وقضاء حاجة المحتاج. وفي الصبر احتمال الأذى وكظم الغيظ والعفو عن الناس ومخالفة الهوى وترك الشر والبطر. انتهى.
{إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} قال الإمام ابن تيمية في شرح حديث النزول: لفظ المعية في كتاب الله جاء عاماً كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وفي قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى قوله: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] وجاء خاصاً كما في قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، وقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46]، وقوله: {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، فلو كان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص، فإنه قد علم أن قوله: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} أراد به تخصيص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار، وكذلك قوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} خصهم بذلك دون الظالمين والفجار.
وأيضاً، فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. كما في قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: 29]، وقوله: {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146]، وقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وقوله: {وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} [الأنفال: 75]، ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق.
وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبين أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو، إذا كان مع العباد، لم يناف ذلك علوّه على عرشه، ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد. انتهى مختصراً.